Pages

Showing posts with label مذكرات. Show all posts
Showing posts with label مذكرات. Show all posts

Thursday, March 16, 2017

صداقة في ستين دقيقة !

يوم الخميس في الصيدلية، يعني عادةً جهداً إضافياً، لأنه يوم عطلةٍ نصف شهرية، أي أن نصف الصيدليات تعطل في كل خميس، ونصفها الآخر تعطل في الخميس الذي يليه، ولذلك نادراً ما تشعر بالملل في يوم الخميس الذي يكسر إلى حدٍ ما شيئاً من الروتين الأسبوعي ...
لمحت من بين الزبائن شابةً تبدو أصغر مني في العمر، ولما حان دورها، ارتبكت وبدا على وجهها الخجل، تساءلت في نفسي عن سبب ارتباكها، ثم بررتُه بسؤالها عن أحد الأدوية المقطوعة، ربما شعرت بالخجل لأنها تصر على دواءٍ بعينه دون بديله وتتوقع ألا تجده ! ... ربما ... لم أُعرِ الأمر اهتماماً وأعطيتها من هذا الدواء، وتابعتُ تلبية طلباتها ...
حدسي تجاه الأشخاص دفعني إلى مساعدتها، وإعطائها ما تريد، مع أن أغلب طلباتها كانت من "المقاطيع" كما نسميها؛ أدويةٌ تأتينا بشكلٍ مقنن (قطعتان مع كل طلبية أسبوعية أو قطعة واحدة) ... هذه الأدوية نبقيها جانباً للمرضى الذين يحملون وصفاتٍ طبيةً بها، لأنه في ميزان المصلحة العامة عليك أن توفر الدواء المقطوع لمن هو في حاجةٍ أكبر إليه من غيره ... والطبيب في هذه الحالة هو الأعلم بحالة المريض أكثر من وصفات جارتنا وابنة حمانا التي لا يتحسن ابنها إلا على هذا الدواء بعينه دون بديله ! ...... المهم
التفت إلى تلك الشابة، أعطيتها الأدوية وحسبت سعرها، فابتسمت وبدت الشجاعة في عينيها ثم قالت في حياءٍ وسعادة:
هل أنت بتول حمصي؟
نعم .. هل تعرفينني؟
أنا صديقتك على الفيس بوك
اه، ما اسمك؟
Sobriety Clear
فكرت قليلاً ثم تذكرت، طلب صداقة جاءني منذ فترة، لا أعرفها، لكنني وجدت Aseel Saiof صديقاً مشتركاً فانشرح قلبي وقبلتها ...
ألستِ صديقة أسيل؟
بلى
أهلاً بك وبأسيل، تشرفتُ بك
اسمها رزان، وأختها التوأم بيان، يتشاركان الحساب نفسه، ويتابعان رسوماتي ...
كانت رزان سعيدةً جداً، وكأنها تحمل في داخلها شيئاً من أحلامي القديمة بالتقائي بأشخاصٍ ما في مكانٍ ما يوماً ما ... وكان حدسها قد صدق ذلك الصباح بأنها قد تلتقيني في جولتها ما بين الصيدليات ..
الحقيقة، لقد خانني التعبير في تلك اللحظة، لم أجد سوى تلك الكلمات التي يقولها الجميع عند تعارفهم ! بينما كان مافي داخلي يحمل فيضاً من المشاعر لا حدود له ..
لم أستطع إكمال حديثي مع رزان، لكثرة العمل، فأدخلتها لعندي، ووقفت أحاول التركيز مع كل الأشخاص بالوقت نفسه ! ازدحامٌ اعتدت عليه، يوصل دماغي لمرحلةٍ من التحفيز الأقصى، ثم يتراجع بهدوء ...
لحظات، وبدأت رزان تركض معي تساعدني .. تذكرت حينها تلك المرة الأولى التي دخلت فيها هذه الصيدلية كمتدربة، لم أكن أعرف، لكني وجدت نفسي أركض لأساعد الصيدلانية هناك وسط فوضى المكان وفوضى الزبائن ... !!
عاد الهدوء، فصرت أضحك، أخبرت رزان أنه لا يوجد أحد يأتي ليزور هذه الصيدلية، إلا ويكون من نصيبه عملٌ ما ! تسعير أو ضب طلبية أو ترتيب أو بيع سيتامول ولواصق طبية أو حتى مسح الصيدلية ! كانت حقيقة مضحكة، اندمجنا فيها وكأننا صديقتان منذ زمن طويل .. نعمل معاً ونضحك معاً ...
مضى الوقت سريعاً، لم أُرد أن ينتهي، أريدها أن تبقى، أن تأتي كل يوم ... لقد أحببتها حقاً ... وأنتظر أن ألتقي توأمها بيان، وأتوقع أني سأحبها كثيراً أيضاً ...
كانت رزان سعيدة، لكنني كنت أنا الأشد سعادة والأكثر خجلاً في ذلك الموقف ... لقد أحببت خلال حياتي أن ألتقي بكثير من الأشخاص الرائعين .. لكن خاطراً لم يأتِ ببالي من قبل أن أحداً من غير دائرة صديقاتي سيحب أن يلتقي بي ... أمرٌ يدعو للخجل جداً ...
أنت لا تدري كيف تبدو تلك الصورة التي يرسمها الكتاب الأزرق عنك ... لكنه أمرٌ يضع أمامك كثيراً من المسؤولية، كثيراً من الحسابات الدقيقة، وسؤالاً داخلياً خطيراً حول سلامة نيتك في كل ذلك ...
في الوقت ذاته، لقاؤك مع أشخاصٍ ترتاح إليهم، ذلك الانشراح الكبير الذي تشعر به، تلك الملامح الطيبة في وجوههم التي تدعوك لمبادلتهم المساعدة مع مزيدٍ من المحبة ...
لم أكن أصدّق أن هناك صداقةً ومحبةً بهذه المتانة يمكن أن تنشأ من زيارةٍ لم تتجاوز الستين دقيقة ! العالم تغير حقاً، الدنيا بخير، الأشخاص الرائعون لا يزالون يسعون في هذه الحياة، وستحب أحدهم حقاً من أول نظرة !

Thursday, February 9, 2017

حامل ! ولكن ...

مرَّ عامٌ على تلك الحادثة، على ما أعتقد ... حيث كنت صباحاً وحيدةً في الصيدلية، أقوم بطلب الأدوية من أحد المستودعات على الهاتف، وتفاجأت باثنتين، يدخلان سريعاً إلى الغرفة الداخلية من الصيدلية!
 تركتُ سماعةَ الهاتف وركضتُ إلى الداخل، فوجدت شابة نحيلةً جداً تجلسُ على أرض الصيدلية شاحبةً جداً (بلون الكهرباء كما يقولون)، وأمُّها تستنجد: ابنتي .. لم تعد قادرةً على الاحتمال ! أعطها إبرة ...
 حاولتُ أن أتمالك أعصابي في تلك اللحظة، أن أغلق على قلبي نبضاته، وأٌعمل عقلي بأقصى طاقته، لإسعاف هذه الحالة دون تأثرٍ نفسي ... هذا الأمر متعبٌ لي للغاية، لكنه أحد واجبات كل من يدخل ضمن السلك الطبي، أن يتصرف ! To take action ...
 فكرت ... إنها تشعر بألم شديدٍ وتشعر بالغثيان .. ماذا أعطيها؟ ... دكلون .. لكن معدتها فارغة وقد تكون حساسة ... ماذا عن الحساسية تجاه الدكلون؟ قد لا تكون الأم بحالة عقلية جيدة لتجيبني على هذا الموضوع بدقة ... حالات التحسس من الدكلون قليلة، لكنها قد تكون ببعض حالاتها مميتة لا سمح الله ! ليس علي المخاطرة ...
 أعطيتها دواءً للغثيان، تأخذه، حتى إذا ارتاحت تتناول شيئاً من الطعام لتأخذ مسكناً قوياً ... وطلبت من الأم أن تأخذ ابنتها الشابة إلى المشفى مالم تشعر بتحسنها ...
 خرجت الأم وابنتُها تستند إليها، وبقيت أفكر بهذه الشابة، ما بها؟ ... ما سبب كل ذلك؟ ... وعدت لأكمل عملي ... آه .. صحيح .. الهاتف!
 عادت الأم بعد نصف ساعة، لتطمئنني على ابنتها، فقد أعادتها للبيت ويبدو أنها تحسنت ... فسألتها: ما سبب ذلك؟ هل هي المرة الأولى؟ ... فأجابت: لقد كانت تتوقع أن تكون حاملاً، لكن لم يحدث ذلك ! يبدو أن ذلك من أثر الحزن الشديد ...
- آه ابنتك متزوجة! تبدو صغيرة
- نعم، من ستة أشهر، ولم تحمل حتى الآن! تخيلي
- كم عمرها؟
- تسعة عشر عاماً
- لا تزال صغيرة ! والعمر أمامها طويل ... بعضهن لا يحملن في مثل هذا العمر
 - نعم، لقد قلت لها ذلك، لكن، تعرفين ! "بيت الاحما" لا يرحمون ! وحماتها تتذمر لأن ابنتي قد تأخر حملها .. لا أدري ما الذي قد يخطر ببالها لو تأخر أكثر !!
 - لكن ! ..... اسمعيني .. من أجل ابنتك، عليها ألا تقلق، وهذا رزقٌ من الله، والحالة النفسية قد تؤثر سلباً على ذلك، ثم ... لا تزال صغيرة ...
- نعم، ولكن ....
كان يبدو أن النقاش بلا فائدة ... لا يمكن لتلك العقد المنتشرة بين الناس أن تُحلّ بكلمتين ...
 مرت الشهور، وجاءت الأم تشتري لابنتها اختبار حمل، وعدتني بـ "حلوان" إن كانت حامل ... وفعلاً عادت بـ "الحلوان" ..... فرحتُ لذلك حقاً ...
 كانت الأم تأتي كل فترة بالوصفة الطبية التي تطمئنني عن استمرار حمل ابنتها ... أدوية الحامل .. الفيتامينات ... وغيرها ...
لكن الله جل بحكمته لم يأذن لهذا الحمل بأن يتم، فقد مات الجنين بالشهر الثاني، واضطرت لإسقاطه ...
 لم تترك الأم بعد ذلك طبيبةً إلا وذهبت إليها .. تريد دواءً لابنتها، تريد أن يجبر خاطر ابنتها بطفل، وجواب الطبيبات نفسه ! ابنتكِ بصحة جيدة، ولا تحتاج أي دواء ... ولكن .. لو لم تحمل، حماتها ...... لا يجب أن تقلق فالقلق قد يؤخر الحمل أكثر ...
مرت الأم علي قبل أسبوعين، تحمل وصفةً طبيةً جديدة!
- هل هناك حمل؟
- لم يتبين بعد، لكن الطبيبة طلبت منها أن تبدأ بفيتامين الحمل من الآن ...
 تلك السعادة التي وجدتها على وجه الأم، انقلبت فجأة إلى تجاعيد حزنٍ وخوف مع الوصفة الطبية التي بعدها ... فقد تعرضت ابنتها لحالة "حمل خارج الرحم" ... حالة خطرة جداً على حياة الأم ... نزفت ابنتها بشدة، وتعرضت لألمٍ لا حدود له، واضطروا للبحث لها عن أكياس دم لإنقاذ حياتها ... ومنعتها الطبيبة من الحمل لستة أشهر قادمة حتى يستعيد جسمها عافيته وقوته ...
شعرتُ بغصةٍ كبيرة ... حزنٍ كبير ...
تقول الابنة للأم: لقد شعرت بألم الولادة مرتين، لكن دون ولد !
وتبادلنا الصمت والحزن ...
لا يمكن لحادثةٍ كهذه أن تمرّ عليك، دون أن تثير بأعماقك كماً من الأفكار والمشاعر لا حدود له ...
شابةٌ صغيرةٌ ضعيفة، تعرضت لكل هذه الآلام وهي لم تتجاوز العشرين ربيعاً ...
مشاعر الأمومة التي تنتظرها، ولم تحصل عليها حتى الآن .....
كم تشتاق لحضن ولدٍ لها، وكم من الأمهات لا يشعرن بهذه النعمة ...
لقطاتٌ متناقضة، مررت بها خلال عامٍ ونصفٍ قضيتها هنا ...
 شاهدتُ فيها الأمهات يشترين جهاز اختبار الحمل، يشترين الفيتامينات، يأخذن حقنة "دكسون" قبل الولادة، ثم تبدأ رحلة حليب الأطفال والحفاضات وقطارات "تمبرا"، وصولاً إلى السيريلاك ...
 شاهدتُ خطوط سيرٍ أخرى إلى جانبها، أمٌّ تريد شراء دواءٍ للإسقاط، وأخرى تريد دواءً لينام طفلها عشرين ساعة متواصلة ...
شاهدتُ أماً تصفع ابنها ذي السنتين على وجهه بقوة، لأنه يطلب شراء السكاكر!
 شاهدتُ أماً تضرب بأظافرها الحادة وجه ابنتها ذات الأربعة أعوام، لأن لديها مرض تبولٍ لا إرادي، معروفٍ أنه يتفاقم بالضرب والحالة النفسية السيئة !!!
 صرفت وصفاتٍ طبيةً لأمهاتٍ وآباءٍ يرغبون بطفلٍ يملأ زوايا حياتهم ... أعطيت كثيراً من الحقن التي يصفها الأطباء لتساعد على الحمل، كنت أدعو لهن من قلبي، ولا أدري إن كتب الله لهن الإنجاب، أم أن مسيرة هذه الحقن تستمر ...
 شاهدتُ في هذا العالم، كثيراً من الحب، وكثيراً من الكره أيضاً ... شاهدتُ الجهل وشاهدتُ الأمل وشاهدتُ الرضى ...
 وشاهدتُ اليوم شابةً ينكسر قلبها، على رزقٍ تأخر عنها، وحاصرتها الضغوط النفسية ممن حولها، لتوصلها لحالةٍ كادت تودي بحياتها ...
أسأل الله الفرج، وجبران الخاطر، والرضى ....

Friday, February 3, 2017

رحلة مع المعاملات !

أجهز نفسي منذ أسبوع وما أحتاجه من أوراق، لقضاء يوم عطلتي العزيز في إنجاز بعض المعاملات، برفقة كثيرٍ من الطوابع التي أعرفها ولا أعرفها، مع علبة الصمغ (سلاحي السري في عملية إلصاق الطوابع😂) ! وقلم أزرق (يكتب😛)، وقائمة الأوراق المطلوبة التي أكرر قراءتها في أوقات الفراغ !
 حاولت أن أبدأ نهاري بإيجابية، قضيت بعض الأمور ثم مررتُ على صديقتي في عملها، قضيتُ معها وقتاً قصيراً جداً لكن فيه من المحبة والطاقة الكثير ! وتابعت رحلتي الطويلة بنشاطٍ رغم كل المفاجآت التي كانت تتوالى وتعيق إتمام عملي ... 
 أمور غير متوقعة، تأكل من رصيد الوقت، رصيدِك الأهم في مسابقة دوام الموظفين، والسلالم الصاعدة النازلة ...
 أثناء انتظاري لبعض الأوراق المتعطلة، وجدت نفسي أمام خيارين .. أن أفسح المجال أمام تدفق هرمون التوتر ليتفاعل مع ذرات قلبي تفاعلاً ناشراً للحرارة، يؤدي إلى حالة تسمى "فوران القلب" غير ذات جدوى ... أو أن أسترخي وأحاول الاستمتاع بالوقت مهما بدى عصيباً ومربكاً ...
 كان أمامي دقائقٌ طويلةٌ من الانتظار، بسبب بعض التعقيدات غير المتوقعة، فكرت بطريقةٍ لإمضائها، فقادتني قدماي إلى إحدى الحدائق التي لم يسبق لي دخولها .. بدأت أتجول فيها وأسترخي في خضرتها ... مارست شغفي بالتقاط بعض الصور بالكاميرا، والكثير منها بقلبي ومخيلتي ...
 تناولت الطعام مع شقيقي بعد تعبنا غير ذي الجدوى، فشعرنا بالعطش الشديد، وكانت زجاجة الماء قد فرغت في مشوارنا الطويل، خطر ببالي أن يكون في الحديقة صنبور مياه للشرب، بدأت أبحث في الزوايا، فلم أجد، سألت البستانيّ فدخل وأحضر زجاجة ماء كبيرة، وملأ لي زجاجتي الصغيرة ... ملأها حتى "آخر شفة" .. شكرته، وابتسم قلبي للموقف ولما في الحياة من خير .. وكان الماء بارداً عذباً، تقاسمته مع شقيقي، وكان من أعذب ما شربناه على عطشنا الشديد ...
 سمعت صوت الأذان يصدح عالياً، فقررت الذهاب للمسجد .. كان باب النساء مقفلاً، بدأت أبحث عن بابٍ آخر مخصص للنساء فلم أجد، سألت إحدى السيدات فصادف أنها أيضاً تقصد المسجد، فدخلنا سوياً من باب الرجال، اخترنا زاويةً في الخلف، وجلسنا ننتظر إقامة الصلاة ...
 كان التصميم الداخلي للمسجد غايةً في الروعة والفخامة، وكان شعاع الشمس الذي يمر عبر النوافذ يرسم نقشاً من الألوان آسراً للقلوب ... شعاع الشمس يقترب من الثريا، فينعكس عليها كماسةٍ نفيسةٍ معلقة في السماء ...
 كان الرجال في الأمام يدخلون تباعاً، يتجهزون لتلك الوقفة الجماعية بين يدي الله، يدخل أحدهم ببطء والآخر مستعجلاً، يدخل العجوز على عكازته، والصبي راكضاً ... بانتظار موعدٍ روحانيٍ جماعي ... صلينا مع الجماعة، وشعرتُ بقلبي يحلق مع أنها صلاةٌ سريةٌ لا يُقرأ فيها القرآن بصوتٍ عالٍ ... بدأت أتأمل كم مر عليّ من الوقت وأنا لا أستشعر بالصلاة، وجُلُّ اهتمامي هو قضاء الصلاة بوقتها أثناء عملي ومشاغلي اليومية ... أربعُ ركعاتٍ أنهيها بسرعة، لأعود للعمل بسرعة، كم مر علي من الوقت دون أن أشعر بها؟ .....
 هممت بالخروج من المسجد، ألقيت السلام على السيدة التي كانت بجانبي، فبادلتني السلام، وأردفت بكلمة "ادعيلنا" .. أجبتها بمثل ذلك ... وراح بالي يجول في آفاقٍ واسعة ... فكرتُ في هذا القدر الذي جمعني مع سيدةٍ لا أعرفها ولا تعرفني، في مسجدٍ لم أدخله من قبل ولا أدري إن كنت سأدخله مرةً أخرى في حياتي، لتجمعَنا صلاةٌ ندعو فيها رباً جمعنا الإيمان به، ونتبادلَ دعاءً بظهر الغيب، ونفترق دون لقاءٍ آخر متوقع في هذه الدنيا ...
 كنت أعقد ربطةَ حذائي حينما عادت ذاكرتي خمسةَ عشرَ عاماً، حيث كنا في رحلةٍ مدرسيةٍ، وهممنا بالعودة، فعلمتنا الآنسة أن نقول: (اللهم إني أستودعك في هذا المكان شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأنا قد رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبياً، فردها إليّ عند حاجتي إليها) ...
 إننا نمر بأماكن لا ندري إن كنا سنمر فيها مرة أخرى، فلنترك فيها بصمةً لحياتنا، أثراً سيبقى لنا، ويشفع لنا بإذن الله ...
 لم أستطع إكمال عملي بالأوراق، وتعقدت الأمور، وانتهى رصيد الوقت، لكنني في ذلك الوقت، وجدت لنفسي مساحةً أرتاح بها ...
 لم أنجز عملاً مهماً، لكني بالمقابل أنجزت استراحةً مهمةً جداً ... ذكرتُ بعض تفاصيلها، واحتفظت بالباقي في قلبي ذكرياتٍ لا تنسى، مع أولئك الذين أحبهم ...
 وكأن الأمور تجري بطريقةٍ ما، لم تحسب حسابها، لتفتحَ لك نافذة الحياة والراحة التي طالما غابت عنك، ونسيتَ مع طول الغياب كم أنت بحاجةٍ إليها ... ... 
إن لنفسِكَ عليكَ حقاً .. (أيضاً :) ) .. فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه ...

Saturday, January 21, 2017

ضمير !

استمر هاتف الصيدلية بالرنين، ومن حولي أربعة زبائن، ومندوب أحد المستودعات ينتظر ... صوت الرنين يصيبني بالتوتر، ألقيت نظرة على شاشة الكاشف التي لا تعمل إلا بالكهرباء - التي نادراً ما تأتي! - فلم يكن أمامي إلا الرد على المتصل الذي لا أعرفه، قد يكون مضطراً، قد تكون مديرتي بالعمل، قد يكون مستودعاً مهماً، وقد يكون أحد الزبائن ذوي الاستشارات الهاتفية المهمة أو غير المهمة !
 "يسعدلي صباحك حبيبتي" ... هذه الجملة مع هذا الصوت، هو آخر شيءٍ أتمناه ومن حولي كل هذا الازدحام في العمل !
إحدى جاراتنا في الصيدلية، لديها عادةٌ تتكرر بمعدل مرةٍ كل أسبوعين، تتصل وتسأل أسئلة تعرف أجوبتها ... 
 لم يكن من طبعي أن أرد سؤالاً، فقد منحني الله بالاً أطول مما أتوقع أنا نفسي ! فكنت في كل مرة أداريها وأساير حتى أوصل لها المعلومة بأقل عددٍ ممكن من الكلمات وبأسرع وقتٍ ممكن ...
في هذه المرة، كانت تريد أن تقنعني بأن دواء الضغط Lotid ليس كـ Losartic، وبأنها ذهبت إلى الإسعاف بسبب البديل بعد أن قرأت تأثيراته الجانبية ...
 أثناء استماعي لحديثها على الهاتف، صرخت إحدى الزبائن عندي: "لماذا تردين على الهاتف؟ ربما كان أحد ما مستعجلاً" ... 
 كان أسلوبها غايةً في الوقاحة، لكنها محقةٌ إلى حدٍ ما، وفي النهاية لست أخطبوطاً؛ حتى أتمكن من تدبير كل شؤون الصيدلية بعقل واحد ويدين اثنتين ... أجبتها باحترام: لو اتصلتِ بالصيدلية ولم أرد عليكِ، ألن تنزعجي؟ ... "لكنها لا تسأل عن شيءٍ مهم ولن تشتري منك شيئاً!" ... وكيف لي أن أتنبأ بذلك؟! إنه "المندل" ... ربما!
 أنهيت مكالمتي سريعاً، وأنا أكظم غيظي لأبعد الحدود، كنت أريد أن أصرخ بوجهها أنني أعرف عملي وليس لها التدخل به! وكنت أيضاً أود لو أن هناك زراً لحظر مكالمات تلك الزبونة بالذات التي تهدر وقتي في كل مرة، بإقناعي أن حقن الدكلون لا تسبب ألماً في المعدة أو ارتفاعاً في الضغط، بينما تسبب حقن الدكلوفيناك - بديلها - ذلك!
 يحتاج صيدلاني المجتمع، أن يمتلك مهاراتٍ اجتماعيةً عالية، حلماً وبالاً طويلاً، وشخصيةً غير لئيمةٍ لكنها لا تسكت على تجاوزات المرضى ... الشعرة في هذا المجال رفيعةٌ جداً وعلي الحفاظ عليها ...
 التفتُّ إلى تلك الزبونة الوقحة، ومعالم انزعاجي منها لا تختبئ من وجهي الواضح ولا تخفى على أحد ... والغريب في الأمر أن استعجالها تحول فجأةً إلى سيلٍ من الجدال لا ينتهي ... إنها تأتي بالأدوية من المستوصف مجاناً، ومن ثم تناقش لنشتريها منها بحجةٍ أنها أخذت الدواء من عندنا ولم تستعمله، ومن ثم تتابع الجدال لنأخذ الدواء منها بالسعر الذي نبيعه به ! 
خرجت الزبونة، وتلفت الزبائن إلى بعضهم يتبادلون تلك النظرة الصامتة ... "الله يفرج أحسن شي" ....
 لا نستطيع إطلاق الأحكام على الأشخاص من حولنا، فنحن لا نعرف ظروفهم، ولا ندري كيف سنتصرف لو مررنا بظروفٍ مثلها ... نسأل الله العافية والسلامة، ونحاول أن نوفِّق بين ثلاثة ضمائر:
ضميرٍ إنسانيٍّ متعاطفٌ مع الزبون ..
ضميرٍ لا يجب أن يُستَغلَّ أو يُضحك عليه ..
 وضميرٍ يريد أداء عمله كموظفٍ على أكمل وجه ...

Friday, January 13, 2017

الرجل الأعمى

وجدت صباح أمس في طريقي إلى العمل رجلاً أعمى يمشي قرب الصيدلية ... كأول انطباعٍ لي حين رأيته يتلمس الأرض بعصاه، فكرت في مساعدته، لكنني ترددت لما في وعيي من تحذيراتٍ تجاه الغرباء، تمنعني من إعطاء الثقة لأيٍ كان مهما بدا عليه ...
 أثناء مروري بمحاذاته، لأفتح باب الصيدلية، أوقفني وسألني: أين شارع بغداد؟ بشكل طبيعي أجبته، وأنا أتفكر في حاسة السمع التي ميز من خلالها وقع أقدامي وناداني بـ "أختي" دون أن يراني!
أخرج الرجل لي قصاصة من كرتون سميك، كتب عليها:
<<<دكتور ورد الشام
نواحي شارع بغداد
 جمعية ........ (حروف غريبة غير مفهومة!)>>>
سألني أين أجد هذا العنوان، فلم يتضح لي، ودللته على الجمعية الخيرية القريبة من الصيدلية، فأخبرني أنه كان فيها وليست هي ما يريده.
 بدأ حس التحري يراودني، واستحضرت في ذهني كل الشيفرات التي حلها المحقق كونان، هل هي شيفرة غامضة؟ ما معنى كلمة دكتور ورد الشام؟ ما هي الكلمات الغريبة المكتوبة إلى جانب كلمة جمعية؟ بأي لغة هي؟
 لم يكن الرجل يعرف اسم الجمعية التي يريد الذهاب إليها، يسير في الطريق أعمى البصر، نحو وجهةٍ عمياء ... ويبحث في الطريق عمن يجد له هذا العنوان الغريب ...
سألني: ألا يوجد صيدلية هنا؟ ربما تستطيع تفسير هذا الخط، كون التي كتبته دكتورة! ارتبكت للحظة ثم أجبته: أنا صيدلانية! وبدأ دماغي يعمل بأقصى طاقته متذكراً كل شيفرات الأطباء التي فككتها من قبل! لكن دون جدوى ... فعادةً حينما تفسر وصفة طبيب، فإنك تكوِّن في مخيلتك أبجديةً خاصةً بالطبيب، وبناءً عليها تفك الخط، أما هنا فكل الكلمات مفهومة، والخط خط سيدةٍ مرتبٌ إلى حدٍ ما عدا الكلمات الأخيرة، فمحالٌ أن يكون شخصٌ واحد قد كتب كل ذلك إلا متعمداً ألا يقرأه أحد ...
سألني: ألا يوجد في المنطقة دكتورة اسمها ورد الشام؟ إنها هي تريد مساعدتي ... وكان من المحبط له أني لم أسمع بها من قبل ... وبدأت أحادث نفسي .. "ورد الشام" ! هل نحن بين جدران الفيس بوك الزرقاء حتى نبحث عن شخصياتٍ بأسماء كهذه؟
 سألته: هل لديك رقم هاتف أتصل عليه لأسأل لك؟ قال: لا، ولكن سأتصل بزوجتي لتخبرك باسم الجمعية، ربما تعرفها!
أمسك جواله ذا الطراز القديم، وضعه على أذنه، وراح يضغط أزرار الهاتف فيصدر نغماتٍ وفق الأرقام! وبدا لي أن الرجل يتصل بالرقم الذي يريده وفق ذاكرته السماعية لنغمات المفاتيح ... كما يفعل المحقق كونان بإحدى الحلقات ...
لم يفلح بالاتصال لأنه لا يملك رصيداً، وسألني إن كان يستطيع استخدام هاتفي ...
 كان قلبي المتعاطف مع الرجل الكبير، يتنازع مع عقلي الذي جعلته خبرته في النفوس الملتوية يتوقع كل شيء سيء! وبدأت أسأل نفسي: ماذا لو لم يكن أعمى وافتعل كل ذلك ليستخدم هاتفاً جوالاً فيسرقه ويركض به؟! لا شيء مؤكد ...
 طلبت منه أن ينتظر حتى أفتح باب الصيدلية، ومن ثم يتحدث من الهاتف الأرضي، ثم ساعدته في الدخول ونزول الدرجات الثلاث ... أعطيته الهاتف، فطلب مني الاتصال برقم يحفظه، لكن الرقم كان مغلقاً أو خارج نطاق التغطية !
- يا عم ما الذي أستطيع مساعدتك به؟ هل تقصد الجمعية لغرضٍ ما؟ ومن هي الدكتورة ورد الشام؟
 - لقد نزحت مع عائلتي من القنيطرة الأسبوع الماضي، ولا مكان نأوي إليه، فتعرفت على دكتورة اسمها ورد الشام، وأعطتني عنوان جمعية أذهب إليها لتساعدني، فهي إحدى المتبرعين الدائمين لهذه الجمعية، وعدتني أنهم سيساعدونني لو أريتهم هذه الورقة!
 - وما الذي يضمن أنها صادقة؟ ربما كانت تمزح مثلاً! فلا يوجد دكتورة اسمها ورد الشام! ثم لمَ لمْ تُعطك بطاقتها أو ورقةً مرتبةً منها؟ لماذا تكتب لك العنوان على كرتونٍ سميك؟ ولماذا لم توضح خطها في كتابة اسم الجمعية؟
- لقد كنا قرب سوق الخضراوات ولم يكن معها ورقة ...
- لا أدري يا عم ماذا أقول لك، فربما تكون هذه القصة كلها غير صحيحة!
 - ما الذي يجعلها تكذب علي؟ لقد أحبت من نفسها أن تساعدني!
لم أعرف ماذا أجيبه، كيف يمكن لشخصٍ أن يتصرف بهذا الشكل مع شخصٍ مسكينٍ أعمى .. ما الذي كان يفكر به وهو يعطي رجلاً لا يبصر، ورقة فيها عنوانٌ لا وجود له؟!
 دللته على الطريق ليصل إلى شارع بغداد الرئيسي، فمشى في طريقه ممسكاً تلك الورقة، يسأل كل من يمر به، لعله يجد جواباً لشيفرتها!
 ذهب وفي عقلي ألف سؤال بلا جواب ... راودني الشك تجاه كل شيء، تجاه كل الناس، وتجاه هذا الأعمى وقصته الغريبة، وقصة نزوحه من القنيطرة التي لم أسمع اسمها في الأخبار من زمنٍ طويل، وسؤالٌ أخير بريء يقول لي: مابالك يا وطني، لا تحبُّ بعضك؟ هل سأثق بك يوماً؟

Tuesday, January 10, 2017

أربع وعشرون عاماً

عينان ذابلتان على الوسادة، في نهاية يوم طويلٍ جميل ... يومٍ يحمل بين تفاصيله معاني عميقة جداً ... 
 أربعٌ وعشرون عاماً، وأنا في هذا العالم، ... أعيش وأتعلم من خبراته ... أستكشف عوالم جديدة بداخله ... وأستكشف قاراتٍ جديدةٍ بداخل نفسي ... وأكتشف حولي كثيراً من الأشخاص الرائعين لم يسمح ازدحام الحياة لي بأن أجتمع بهم من قبل ...
شكراً لكل من كان ابتسامةً على طريق رحلتي ... 
 وشكراً قبل كل ذلك، إلى ذلك القلب الذي كان قبل أربع وعشرين عاماً يصرخ وجعاً وحباً بانتظاري ... وعسى أن أكون خير قرة عينٍ لهم :) 
بتول 10-1--2017

Sunday, January 1, 2017

عودةٌ إلى الكتابة، بعد 600 يوم

استيقظت فجر أمس، آخرِ يوم في هذا العام، وبين جفني شيءٌ من بقايا حزنٍ وهمٍّ علق من ضغوط الأيام الماضية ... شعرت ببرودٍ في قلبي ... يحمل همَّه بصمتٍ ويسير معه نحو السرير على غير العادة! غفوت في الوقت الذهبي قبل انطلاقي للعمل، هرباً من عقلي الباطن الذي لا أفهم عليه ...
 كان أمامي يومٌ شاقٌ بعد العطلة، انتظرت دقيقةً من الهدوء في الدوام لأخرج وأحضر شيئاً آكله، لم أجد البائع في دكانه، ولكني وجدتُ مجموعة من العصافير قرب الباب، تزقزق وترقص وتتقاسم قطعة خبز مرمية ... كانت تتفرق خلال ثانيتين، ثم تعود في أقل من ذلك ...
 دخلت عليّ امرأةٌ مع طفلةٍ في الخامسة، وكعادتي مع الأطفال، أبادلهم ابتسامةً صامتة، ثم أسألهم، ما اسمك؟ وفي أي صف؟ ... كانت سنا سعيدةً جداً وهي تحدثني أنها سترداد المدرسة العام القادم ... وانشغلت عنها بعملي، وقفت في القسم الخارجي من الصيدلية أحضر لإحداهن ما تريده، فشعرت بشيءٍ يلمس ساقي من الخلف، أدرت وجهي فإذا بسنا ترفع رأسها بمحبةٍ وتقول لي "عندك سكاكر على توت؟" ... فرفرف قلبي معها، وأنهيت عملي وبحثت لها بين علب سكاكر الأطفال عن ذلك، لألبيَ ابتسامتها ...
 كان كوب الليمون الساخن الذي أعدته رفيقتي في العمل، يحمل كثيراً من هدوء الأعصاب، تجاه ما كان واضحاً كالعادة على وجهي من عدم الارتياح ...
 وكانت رفيقة طريق العودة، قطةٌ صغيرة، تبِعَتْني من أول الشارع، كانت تركض وهي تتبع ظلي، حتى إذا وصلنا بنايات الجيران تنسل إلى المدخل، فتجدني أكملت الطريق فتعود وتركض بجانبي، حتى وصلت بنايتنا، فاختفت تحت إحدى السيارات المركونة، وتركتني في حالةٍ من المحبة تجاه ما خلقه الله عز وجلّ من جمالٍ حولنا ...
 مر وقتٌ طويلٌ لم أدوِّن عنه شيئاً، لكن صباحاً من الحزن، كشف أمام قلبي جوانب من السعادة أعادت لقلمي مداده، هذه المرة كان جبرُ الخاطرِ من العصافير والقطة والطفلة والليمون الساخن !

Saturday, October 31, 2015

احرص على ما ينفعك


(احرص على ما ينفعك) .. بشكلٍ أو بآخر، صار ذلك شعاري في الحياة، في كل ما أقوم به، وفي كل ما أتعلمه .. عندما أجد شيئاً مهماً مفيداً أقبل عليه بكُلِّي وأعطيه كل طاقاتي لأتعلمه وأنجزه بأفضل ما يكون .. وبالعكس تماماً عندما أجد الموضوع غير ذي فائدة !
لا أدري لأي مدىً كان من الصواب ذلك ! وأعتقد أن ذلك قد أفادني في حياتي العملية كثيراً، لكنه من الجانب الآخر، أثر على التحصيل العلمي المحشو بالأمور غير المفيدة !

في صيف 2015 الذي بدأ مبكراً بالنسبة لي، أجبت عن هذا السؤال بنفسي، فتجاهلت عبء أحد عشر مادةً، وبدأت التدريب العملي وتسجيل دوراتٍ في تقوية المعلومات الصيدلانية العملية أثناء الدراسة .. ما استغربه كثيرون لانشغالي عن متابعة الدروس والمواد المتراكمة علي !
لم أعلم حينها، بأني سأبدأ العمل قبل أن أتخرج، وبأن الامتحان سينتهي بي بأن أكون على رأس المسؤولية بعده، دون أن أنتهي منه ! وبأن عاماً كاملاً من الخبرة في العمل سيسجل لي قبل أن أعيد 
(احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز) .. فقد لا ينتهي الامتحان، لكنك دون تخطيطٍ مسبق: بدأتَ أنت !

Sunday, January 11, 2015

ثلجٌ لأربعة أيامٍ متواصلة !

عندما كنا صغاراً كانت رسمة فصل الشتاء تعني شجراً عارياً مكسواً بالثلج ورجل ثلج بجانب المنزل وحوله أطفال بقبعاتهم الصوفية بلعبون ... نلصق عليها القطن الأبيض أو نلونها بقلم التصحيح الأبيض ...
لم يكن مهماً كم يوماً في فصل الشتاء يبدو هكذا ... والحقيقة أنه ومنذ عقدين لم يستمر هطول الثلج في دمشق لأكثر من يوم ونصف على مدار العام كله ... وفي أغلب الأحيان كان متبوعاً بمطر تمنع تراكمه على السطوح والشوارع ... وكان السؤال الذي يراودنا "علّم ولا ما علّم؟" .. أملاً منا بتحقيق الحلم الذي نرسمه على دفاتر الرسم دون أن نراه إلا في النزهات نحو المناطق الجبلية الباردة المخصصة للعب الثلج ....
في هذا الوقت أتذكر تلك الأيام ... وأعد أسماء المناطق التي كنا نرتادها لنلعب بالثلج مرة في العام ...
في هذا الوقت الذي يستمر فيه الثلج بالهطول لمدة 4 أيام متواصلة، لأول مرة في حياتي ....
في هذا الوقت الذي غربت الشمس على أمل أن تكمل في اليوم التالي إذابة ما تبقى من ثلج الأيام السابقة وتخليص الشوارع من صقيعه وجليده المؤذي .... نستيقظ لنرى الأرض قد كسيت بالبياض الناصع من جديد في كل شبر فيها، وعلى كل شجرة أو زاوية ....
نتساءل في أنفسنا، هل علينا أن نبيض أيامنا ونسعد من جديد؟ هل هذا ما كنا نتمناه في صغرنا؟ أن يستمر الثلج بالتراكم والهطول؟ .... هل كنا نرغب بالثلج من أجل الغياب عن المدرسة؟ أم من أجل اللعب؟ أم أنه يومٌ في السنة نشتاق ونتشوق إليه، ثم يعود مملاً كالأيام السابقة؟ وماذا بعد أن نمل اللعب بالثلج؟ هل سنقعد في بيوتنا حول المدفأة ننتظر ذوبانه؟ ... وماذا لو لم يذب؟ كيف يعيش الناس وكيف يتابعون حياتهم؟ وهل لديهم مدفأة ينتظرون بقربها؟
لن تجد أجوبة على ذلك ...
وفي الحقيقة ... لا أدري ما الصواب ما بين كل ذلك ...
لكن قلبي يأبى ألا يبتهج تجاه الأبيض الذي يكسو كل شيء فيبتسم بسلام في النفس ... ويجد ذلك فرصة لتذكر نعم الله عليه التي لا تعد ولا تحصى ... واستعادة الهمة وسط المشهد الساحر الذي تعيشه عيناي ...
وفي الوقت نفسه، لا أزال أعلم أن هذا الثلج عند الناس ليس ثوب زفاف وإنما ثوب كفن ... وبأن أي شيءٍ إيجابي نقوم به تجاههم خير من الاستمرار بالبكاء .. فدمعنا لن يذيب الثلج المتراكم حولهم .. وإنما أي مبادرة، ولو بكتزة صوفية لابن الجيران المهجر، خير من كل المآسي الافتراضية ...

Monday, December 29, 2014

رحلة مدرسية

في الثانية عشرة من عمري .. كنا في رحلة مدرسية، ومعنا الكثير من الطعام اللذيذ .. وبينما كنا نلعب ونضحك في الجوار، اقتربت أنا وصديقتي من علبة طعام عند طاولة صديقاتنا وتذوقنا لقمة منها ونحن نضحك ونقلد كرتون النمر الوردي ... دون أن تكون صاحبتها بجوارها ... ثم تابعنا اللعب ....
لم يمض إلا القليل من الوقت، حتى تعبت واصفر وجهي، وشعرت بالغثيان ... ........ ...
المهم، بعدما ارتحت، آمنت يقيناً أن الله لم يرد لي أن أتغذى ولو بلقمة حرام ... ولو أنها لقمة واحدة، ولو كان الأمر كله مزاحاً وتسلية، ولو أن صاحبتها كانت ستأذن لنا لو كانت هنا .. لكنه تربية من الله جل في علاه ... وخط مستقيم في الحياة نسأل الله أن يثبتنا عليه ....

Sunday, December 28, 2014

الحافلة وأذان المغرب

تأخر الوقت بعد أذان المغرب، ولم أعد إلى البيت، فاتصلت والدتي تطمئن، أخبرتها أني لم أجد مواصلاتٍ ففضلت العودة سيراً على الأقدام ....
أغلقتُ الهاتف ونظرت إلى يساري، فإذا بها حافلةٌ صغيرةٌ فارغةٌ لا تمر هنا في العادة، ترددت ثم اقتربت وسألت عن وجهتها، فكانت المفاجأة بأنها توصلني إلى البيت عكس ما كتب عليها ...
ولم يمض 7 دقائق على إغلاقي الهاتف، حتى كنت عند باب البيت، في الوقت الذي كان سيستغرق المشي معي حوالي 25 دقيقة ...
======================
قلب الأم .. دعاء الأم ورضاها وتوفيق الله في ذلك ... والحمد لله ...
أمورٌ كثيرةٌ استثنائيةٌ لا نصدق كيف ترتبت الأحداث فيها، إلا حينما نتذكر دعواتهما وابتسامتهما صباح مساء ...
لا زلت مقتنعةً حد اليقين، بأن الأعمال الصالحة قد يؤجر الإنسان عليها في الدنيا أو يخبَّأ ثوابه للآخرة، إلا رضى الوالدين والإحسان إليهما ... فأجر ذلك بالتأكيد نلقاه بالدنيا توفيقاً قبل أن نجده في الآخرة ... والحمد لله ...
قد ننزعج أحياناً ونصبر، قد لا نتفق ومع ذلك نصبر، نصبر بإحسان، نجعل حياتنا كلها لإرضائهما، مهما خسرنا من شؤوننا الشخصية .. قد وقد وبالتأكيد لا يعجبنا كل شيء، ومع ذلك نضعهما فوق رؤوسنا ... هنا وفقط هنا نجد التوفيق الحقيقي من ربنا جل جلاله الذي لا يضيع أجر المحسنين ...

Saturday, November 8, 2014

طفلةٌ كبرت

لا زلت أذكر تلك الطفلة التي ترسل صديقتها في الابتدائية، لتستأذن عوضاً عنها الآنسة في شرب الماء ... لأنها تخجل من الحديث معها ! فأنظر إليها الآن، وهي مبدعة في صداقاتها، في عرض أفكارها وإلقائها، وفي الوقوف بالواجهة في كل عملٍ أو مهمةٍ في كل فريقٍ تكون فيه وتقوم به ...
-----------------
لا زلت أذكر تلك الطفلة التي كانت تخشى الفشل والدخول في مجالاتٍ لا تقدر عليها، لألا تعترضها صعوباتٌ ليست بحسبانها ... فأنظر إليها الآن وهي تبحث وتحاول أن تتعلم، وتستفيد من أخطائها، ومن تجارب كل من حولها .. لا تتكبر عن التعلم من الصغير والكبير ومن الجاهل ومن الخبير .. فكل ذلك خبرةٌ في الحياة تضاف إليها ...
-----------------
لا زلت أذكر تلك الطفلة التي كانت دمعتها تغلبها، في كل موقفٍ تميز فيه الآنسة صديقاتها عنها لمستواهن الطبقي أو الواسطة ! لا زلت أذكر كيف كانت تبكي حينما تتميز في شيء وتتفوق على الجميع، فلا تجد إلا تجاهلاً ... حتى إذا بلغت القمة، أرادها الجميع فجأة ليفتخروا بما لم يصنعوه ! ..
لا زلت أذكر كيف ولا زالت تخشى على نفسها وعلى مشاعرها من الإحباط تجاه ظروف الحياة وقسوتها .. وتخشى أن تبكي في موقف ضعفٍ عليها أن تتماسك فيه ...
لكنها اليوم، أقوى وأقوى من أي أحدٍ كانته يوماً .. تختار المكان المزدحم بالحدية أكثر لتتعلم بجدٍ وتحدٍ أكبر ... يحسبها رفاقها حولها من أولئك "المطنشين" أو "الكول" في كل موقف تكون فيه ... ولا يعرف عمق إحساسها إلا من اقترب منها بحق ...
=================================
الخجل .. القلق .. الحساسية ...
ثلاثيةٌ يمكن لها أن تدمر الإنسان إذا سيطرت عليه ..
وعلى الجانب الآخر .. وبفضل الله عز وجل ...
يمكن لها بالوقت نفسه أن تتحول لأعظم استثمار يستخرج أفضل مافي الإنسان ليبدع ويتميز فيه، ودافعٍ قويٍ جداً لا يقف بوجهه شيء نحو التحدي والمثابرة والتركيز واستخراج الطاقات الكامنة بأقصى قيمها !

Tuesday, October 28, 2014

سقف الحافلة

في زحمة المواصلات، أشرت إلى باصٍ صغيرٍ ليتوقف ... وصعدت بأعجوبةٍ في مكان محشورٍ فيه الواقفون أكثر من الجالسين ...
كان سقف الباص منخفضاً، فاضطررت لأن أحني رأسي وظهري قليلاً وأنا أقول في نفسي، الآن ينزل أحد وأجلس محله .. دقيقتان، ثلاثة .. وبدأت رقبتي تؤلمني وشعرت بانزعاجٍ شديد .. صرت أحاول تغيير وضعيتي، أن أثني ركبتي مقابل أن يبقى ظهري مشدوداً ورأسي مرفوعاً بحرية، لكن لا فائدة !
صرت أنظر إلى الناس حولي .. إلى الباص، أفكر .. كيف لهؤلاء الرجال الذين هم أطول مني أن يتحملوا هذا الانحناء أيضاً .... لماذا يصنعون باصاتٍ بأسقف منخفضة؟ أم أنها مصممةٌ ليجلس فيها الناس، لا ليقفوا ! .... ولماذا على مساعد السائق الذي يقف عند الباب أن يعرض نفسه لخطر السقوط، بوقوفه على درجةٍ في الأسفل مقابل أن يبقى رأسه في الخارج فلا يضطر لحنيه ....!
عشر دقائق، قضيتها تحت هذا السقف المنخفض، بعدها أتيح لي المجال لأجلس، فجلست وبدأت أشد ظهري وأرفع رأسي وأحرك رقبتي بكل الاتجاهات .. شعرت وكأن علي أن أنفض غبار ذلك الشعور القاسي بأن تضطر لحني ظهرك ولا تجد مفراً من ذلك !

Wednesday, October 22, 2014

ضرسٌ وعقل !

وبينما تسلم سنك للطبيب، ليخلصك من ألمه، بل يخلصك منه كله .. تشعر بأن عجزك عن الكلام، يدفع كلماتك لتتحدث في داخلك أكثر وأكثر ..
هل هو العقل يكبر هكذا ليشق الطريق بين كلماتك؟ هل هو يكبر فعلاً؟ ولماذا لم يجد مكانه؟ ولماذا يريد الطبيب أن يخلصني منه؟ 
أهو العقل الذي يتصارع دائماً مع العواطف متقلبة المزاج؟ وهل اقتلاعه نهاية هذا الصراع وإقصاؤه من الحلبة؟ أم أنه إقرار بعقلٍ يرفض أن ينام جانباً، فيقف بقوة، ليشعرك بوجوده، ويسألك أن تعطيه حريته؟
بين العقل، وضرسه الثاني الذي أقلعه .. يبقى السؤال مفتوحاً ...
وتبقى كلمة الطبيب تشعرني، كم هو سهل للعواطف أن تتغلب على العقل، في كل مرةٍ أغمض فيها عيني كي لا أرى ما يفعل، وهو يقول لي: "خلص ما رح نقلعه اليوم" فأصدقه بعقل طفلٍ من أجل أن يزول عني التوتر والشعور بالألم !

Friday, October 3, 2014

فجر عرفة

كانت تحدثنا والدتي أمس عن فضل قيام ليلة عرفة، وشعرت بلهفةٍ كبيرةٍ لذلك، لما لصلاة الليل من قرب روحيٍ وصفاءٍ وأثرٍ رائعٍ في الحياة ...
لكن وضعي الصحي كان يسوء ساعةً تلو أخرى، حتى وصلت إلى المساء غير قادرةٍ على رفع رأسي، فتناولت الدواء ونمت قرابة العاشرة ...
وعند الساعة الثانية صباحاً، استيقظت ..
لسببٍ غريبٍ لا أدري ما هو .. ويزيده غرابةً أن مفعول الدواء يسبب نعاساً كنت أخشى ألا أستطيع الاستيقاظ معه على السحور ..
لكن ..... وسط هدوء الليل، متعبةً في سريري، أحسست بشعورٍ سكينةٍ رهيب .. صرت أدعو، وأبكي، وكان تعبي الجسدي يشعرني أكثر بافتقاري إلى رحمة الله وعفوه وشفائه ...
كنت حزينةً لأنني غير قادرةٍ على أن أقوم لأصلي، لكني ولأول مرةٍ أستشعر تلك السكينة في ليلة عرفة، تغمرني نفحاتها، وتأخذ فؤادي إلى هناك، بين الزحام ... أدعو وأدعو ... وأقول من قلبي يارب ...
عدت للنوم، واستيقظت على السحور، وحظيت بفضل الله بركعتين قبل الفجر، كانتا فعلاً خيراً من الدنيا وما فيها ...
وآمنت من كل قلبي ووجداني، بأن القرب الحقيقي، والأجر، قد يتحقق بقصار السور فقط (بإذن الله) .. لأن الهدف من القرآن هو أن يغيرنا ويدخل قلوبنا ويترك أثره، لا أن نكرره فقط ..
وكيف يمكن للإنسان أن يكون قريباً من خالقه، حينما يريد ذلك، مهما قست عليه الظروف ...
============
6:08 فجر الجمعة - يوم عرفة
3/10/2014

Sunday, February 2, 2014

العطاء والزمر الدموية

بعض الناس يختار أن يكون O+ يعطي للجميع كل ما يستطيع ..
بعضهم يختار أن يكون نادرا O- يعطي الجميع لكن على حساب نفسه ..
بعضهم A وبعضهم B .. يأخذون ويعطون .. لهم ما لهم وعليهم ما عليهم ...
وبعضهم الأخير لا يريد سوى أن يكون AB+ يأخذ من الجميع كل شيء .. ولا يعطي إلا نفسه ..
وما بين حديث الزمر الدموية .. تكمن حكاية الإنسان .. بعطائه أو بخله المادي أو المعنوي .. بحرصه على نفسه أو تفانيه من أجل الآخرين smile emoticon 
-------
إحدى صديقاتي أيام المدرسة، قالت لي ونحن نتعلم عن الزمر الدموية .. ليتني أكون AB+ .. كانت حينها لا تعرف زمرتها .. لا أذكر ما كانت نتيجة تحليلها بعد ذلك، لكن المؤكد أن نفسية "الآخذ العام" فيها مترسخة تماماً، وحتى الآن، مهما احتوى دمها من الراصات !

Friday, August 16, 2013

هل نقبل الهدية؟

فكرت أن أدخل السرور إلى قلوب صديقاتي الصغار .. فاخترت شيئاً من الهدايا البسيطة والحلوى، وأعددتها مفاجأةً لهن عند زيارتهن المرتقبة لنا ..
3 فتياتٍ أكبرهن في العاشرة، وأصغرهن في السابعة، أحبهنّ كما لو كنّ أخواتي الحقيقيات، وابتسامتهن أغلى عندي من أيّ شيءٍ آخر ..
أمسكت أكياس الهدايا، وطلبت منهنّ أن يغمضوا أعينهنّ لتختار كلٌّ منهن كيساً بلونٍ مختلف ..
فابتسمت كبرى الفتيات إليّ بخجلٍ ثم قالت: 
- لا .. يسلمو .. ما بدنا !!
- شو هي مابدنا ؟! يلا حبيباتي لا تستحوا .. نقوا كل وحدة كيس ..
- لا لا يسلمو
وقفت مصدومةً من الموقف ! أنظر إلى وجوه الفتيات الثلاث التي كانت تحكي الكلام نفسه .. كيف للأطفال أن يرفضوا أخذ هديةٍ هكذا ...؟ !!!
رفعت صوتي إلى الغرفة التي تجلس فيها والدتي مع والدتهن:
- ماما تعي شوفي، مستحيين، قال ما بدهن ياخدوا الهدية
استغربت والدتي، لكن والدة الفتيات سارعت بالقول:
- قوليلهن قال أمكم خدوا الهدية، ما بتزعل، هدول متل أخواتنا معلش تاخدوا منهم هدية
نظرت إليهن بابتسامة محبةٍ، وطلبت منهن أن تختار كل واحدةٍ لوناً، فكانت ابتسامتهن وضحكة قلوبهن أروع مشهدٍ طفوليٍ يضحك له قلبك .. وحمدت ربي أني استطعت أن أهديهم المحبة، وأنهم قبلوها مني ..
------------
لم يكن رفضهن للهدية خجلاً كما كنت أتوقع، بل كان جرحاً عميقاً جداً، جرحاً ينزف من طفولتهن، وجرحاً آخر ينزف من كرامة والدهن ووالدتهن ..
حينما أجبروا على مغادرة منزلهم في الريف بسبب سوء الأوضاع، وتحملوا عبء النزوح وقسوته .. لم يكونوا يريدون شفقةً من أحد، فنفوسهم أعزُّ من أن تطلب المساعدة، وبفضل الله استطاع والدهم أن يجد عملاً بسيطاً هنا، وهم رغم قسوة الحياة والظروف المعيشية التي نالت حتى الطبقات المتوسطة فضلاً عن الفقيرة، لم يكونوا ليرضوا لأنفسهم دعماً أو منةً من أحد..
حتى بهدية !!
أحياناً، لا يدرك الطفل بدايةً جميع المعاني، ويفرح بما يقدّمه الآخرون له، لكنه سيعي قسوتها يوماً ما، وستكون إجابة أمهم وأبيهم هي دموع الألم، حينما يقابل الآخرون أطفالهم بعين الشفقة، ويبطنون في هداياهم (بقصدٍ أو دون قصد) رسائل الشفقة والتفضل عليهم وعجز أهلهم عن ذلك ..
ولذلك... ترى الأم أن تنمية شعور الكرامة والعزة عند الطفل هو ما سينمو له بابتسامةٍ حقيقيةٍ مدى الحياة .. فتعلّمهم التعفّفَ أكثر كلما قست الأوضاع أكثر، ورفضَ ما يقدّم إليهم مهما كانت قيمته ..
الأهل يريدون لأطفالهم عزةً وقيمةً أكبر من ذلك، لا تخدشها الظروف القاسية بل تبلور كرامتها أكثر ..
سهلٌ أن ترسم الابتسامةَ على وجه طفل لم يعِ الحياة بعد، لكن الأصعب، أن ترسم ابتسامة العزّة على وجوه أهلهم .. أن تقدِّم لهم هديةً من باب "تهادوا تحابّوا" كما علمنا حبيبنا عليه الصلاة والسلام، وليس من باب التصدّق أو التكرّم والمساعدة الذي يذبح ويقطع فؤاد الأهل كالسكاكين، ويترك ندبة جرحٍ لدى الأطفال، حتى لو جهلوها اليوم، فسوف يعونها بقسوةٍ يوماً ما !!
---------
قبل أن تعمل خيراً، اكتب عليه إهداءً وفكّر جيداً في لغة رسالتك المطوية فيه: كيف يفهمونها....؟ اكتبها بـ إحسان، كما لو كانت هديةً لابنك ..

Monday, April 30, 2012

سيارة الأجرة

كعادتي أسمي بالله قبل أن أوقف سيارة الأجرة وأختار أن يكون السائق رجلاً كبيراً إن كان هناك سعة في الاختيار ...
في إحدى المرات، من سنة تقريباً صعدت سيارة الأجرة وأخبرته بوجهتي، سار قليلاً ثم قال لي: يا عمو ليش ما بتقولي السلام عليكم؟ ليش ما بتسلمي؟ وقت انتي بتسلمي الله بحسسك بالاطمئنان وبتحسسي الي قدامك انك متل كأنو فيه سلام بيناتكم ما حدا بيؤذي حدا ..
هذه الفكرة تقريباً ما أتذكر أنه قالها حينها .. ومن وقتها أدمنت هذه الكلمة: السلام عليكم، أينما دخلت وخرجت سيارة أجرة أم محلاً أم أي شيء أسلم..
اسم الله "السلام" فيه سرٌ ما ..! حقاً ... ولا أستطيع أن أحصي كم الطمأنينة التي أحوذها مع هذه الكلمة وخصوصاً هذه الأيام مع غياب الأمان، كلما اضطررت لصعود سيارة أجرة ... هذه الكلمة .. صك براءة وعدم إيذاء .. صك سلام .. سلام من الله .. هذا ما أشعر به ..!

Monday, April 2, 2012

اصطناع دوائي

تفاعلات الاصطناع الدوائي تكون عادةً دقيقةً جداً .. أي خطأ قد يحكم على التفاعل بالفشل .. أي خلل سيحرمنا من الحصول على منتجات التفاعل .. أي خلل في الكميات المتفاعلة أو في تصريف المنتجات قد يزيح توازن التفاعل لكي يعود بالتفاعل إلى نقطة البدء .. اختلال شروط التفاعل يمنع حصوله .. ..... .. 
تفاعلات الاصطناع الدوائي بالذات دون غيرها مما يمكن لك أن تسكب المواد سكباً دون أن تأبه لذلك فالتفاعل حاصل حاصل ! ..
عندما تفشل التجربة معك، أول ما ستفكر فيه هو الكميات الشروط الظروف الحرارة الدقة في العمل .. أو حتى أنابيب الاختبار الملوثة ! .... ستعيد التفاعل مراراً وتكراراً .. لكن دون نتيجة ... تحاول دوماً في هذا النوع من التفاعلات أن تجزئ التفاعل لتحاول اكتشاف نوع الخطأ في أي مرحلة يكون .. تحاول جاهداً وتعيد وتكرر .. لكن دون جدوى ...
في الحقيقة .. ربما يكون الخطأ غير ذلك .. قد يكون في المواد نفسها .. في بعض الشوائب والملوثات التي دخلتها .. في الرطوبة التي نالت منها وخربتها .. في الضوء الذي تسلل إليها .. أو في الاستهتار الذي جعلك تدخل ممص مادة أخرى فيها! .. والكثير الكثير من ذلك .. قد يحدث .. وقد لا يهمك ذلك .. بينما تمضي الوقت في قياس أجزاء الميلي ليتر تكون العوامل الجوية قد فعلت بالمادة فعلها .. قد خربت نقائها وصفاءها .. لن تنفعك كل طرق القياس .. لن تنفعك نظافة المواد والعمل ما دامت المادة نفسها ملوثة .. ما دامت قد فقدت كل نقاوتها وخالطتها الشوائب أو تسللت إليها الرطوبة ... ... ...
لا فائدة مهما أجهدنا أنفسنا بالعمل ما دام الأصل ملوثاً .. مشوباً .. غير مخلص وغير صادق .. ولعل أصعب شيء هو اكتشاف فساد هذه المواد .. فساد النية .. والأصعب من ذلك كله هو تنقيتها ..!!
اللهم ارزقنا الإخلاص والصدق معك ... ومعك فقط ...